St. George Antiochian Orthodox Church

كنيسة القديس جاورجيوس الأنطاكية للروم الأرثوذكس - جاكسنفل فلوريدا

Home
About Us
Our Faith
Church Services
Organizations
Arabic Corner
Latest News & Events
Monthly Calendar
Weekly Bulletin
Hall Rental
Stewardship
Photo Gallery
Resources & Links
Contact Us
Register

This is Taken From: http://www.archorthotripoli.org/karma-2010-7.php#29

 (الغلبة في الــمـحبَّة)

"لقد غلبتُ العالم" (يو 16، 33). قال يسوع هذا مشيراً إلى الغلبة التي بدأ تحقيقَها وأتتَّها على الصليب وفي االقيامة. ماذا كان موضوع غلبته؟

لا نصادف في مجمل الكتاب أيّ ارتباط موضوعيّ بين هذه العبارة وأيّ شخص. الشخص الوحيد الذي ورد في الكتاب على أنّه موضوع غلبة هو الشيطان (متّى 12، 28. لو 10، 18. وغيرها). كما أن كلمة "غلبة" لم ترد في هذه الآيات بل "الشيطان يهوي- يُنبذ- يُدان- حُكمَ عليه- سيسحق الشيطان". وترد عبارة "غلبة" (الشيطان) في لو 11، 22 في جواب يسوع على من اتهمه أنّه "يطرد الشياطين ببعل زبول سيّد الشياطين"، حيث يستخدم صورة صاحب الدار القويّ "(الشيطان) الذي يحرس داره والسارق (يسوع) الذي لا يقدر أن يغلبه إلا إذا كان أقوى منه. الغاية هي إِبراز تفوّق قوّة يسوع على قوّة الشيطان.

موضوع غلبة يسوع هو "العالم". ما المقصود بالعالم. العالم في الكتاب هو كلّ ما في الخليقة من بغض وعداء لله. هو عالم الخطيئة والشرّ. بهذا المعنى السلبيّ استعملت هذه الكلمة في الكتاب وفي كل الأدب الكنسيّ للدلالة على كلّ ما هو بعيد عن الله ومضادٌّ له.

هذا الموقف العدائي والبُغضيّ ليس متبادلاً بين قطبَين، الله- العالم، بل هو ذو اتجاه أُحاديّ. ذاته العالم وموضوعه الله. ببساطة، العالم يبغض الله ويعاديه (العالم يبغض الله) والعكس غير وارد بالإطلاق. معادلة (العالم – الله) تتناقض وسلوكيّة الله.

ونصادف، في المقابل، معنىً آخر إيجابيًّا لعبارة "العالم" في قول يسوع: "هكذا أحبّ الله العالم حتى إنّه بذل ابنه الوحيد..." (يو 3، 16). غريبة هذه الغلبة التي حقّقها ويحقّقها يسوع. العالم الذي هو موضوع الغلبة هو نفسه موضوع محبّة الله، مطرحٌ لها. محبّة الله لا تُطرح على أفكار وشعارات وعقائد بل هي شخصانيّة والأشخاص مطرحُها. الغالب نفسه هو المحبّ. غلب الربّ الخطيئة بمحبّته للخاطئ وغلب الشرّ بمحبته للشريّر. لعمري إِنّ هذا الكلام لقاسٍ! لكنّه الدواء للداء والكيّ للجرح وفي كليهما قساوة شافية.

لم ترتكز سلوكيّة يسوع على خطيئة من عايشوه ولم ينطلق البتّة منها.

لم يبادر قَطُّ إلى إظهار مهارته في معرفة خطايا الناس ووضعها في واجهة تعامله معهم. لم يقف عندها، لم يَتَلَهَّ بها، لم يستكبر بها، فَطُهْرُهُ آتٍ من ذاته المُحِبَّة لا من خطايا غيره. هي سلاح غلبته. كلّ وصيّة أو نصح لا ينطلق منها ويصبو اليها لن يَشْفي ولن يَغْلِب، بل يُغرق مريضَ الخطيئة والشرّ في دائه. أو ليس هذا ما قاله بولس في نشيد المحبّة (1 كور 13).

        لقد اختبر المؤمنون في حياتهم في الروح أنّ المَنْفَذَ الأسهل للتجارب وللسقوط بها هو الذاكرة. لقد علَّمنا آباؤنا المعرّفون أن نموت عن خطايانا، أن ننساها. بداية العودة إلى خطايا شبابنا هو استذكارها والغرق فيها. لا نفرحّن باستذكار خطيئة اعتقدنا أننا تخطيناها، بل لنفرح بأنّ محبّة الله قد بانت لنا ومحبتّنا له ترسّخت ونمت فينا. هكذا نقرأ ما ورد على لسان يسوع: "لا تفرحوا بأنّ الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بأنّ اسماءكم قد كتبت في السماوات" (لو 10، 20). "خطايا شبابي وجهلي لا تذكرها" وَهبْني أن لا أذكرها يا ربّ. حسبيَ أن أذكر محبّتك لي وموتك لأجلي فهي حصني وسلامي وفرحي. ولكن، في الوقت نفسه، ضعها أمامي في كلّ مرّة استكبر أمامك وأمام أخ لي بسبب طهرويّة خّداعة تملّكَتْني: "وخطيئتي أمامي في كلّ حين".

بغية الكلام هي شهادة الكنيسة في العالم، غلبتها له بالمحبّة، خطابها تجاهه. أنا متفائل من جهة الحسّ البشريّ بالخطيئة، رغم الانطباع الأوّل الذي تستخلصه من حوارك مع بعض البشر وبخاصة الشباب. "فإن ما تأمر به الشريعة من الأعمال مكتوبة في قلوبكم وتشهد لهم ضمائرهم وأفكارهم، فهي تارة تشكوهم وتارةً تدافع عنهم" (روم2، 15). وبمقدار هذا التفاؤل أجد حسرةً. حسرةٌ ليست من الشباب وقبولهم لشهادة الكنيسة، بل من خطابنا الكنسيّ وترجمته العملانيّة. حسرةٌ ليست من الحقل "فحيث تكثر الخطيئة تكثر النعمة" (روم 5، 20)، بل من الزارع، من رامي البذور، من حضن أب محب غائب. الدعوة إلى تكثيف حضور محبة الله في رعايتنا، في خطابنا، في مؤسساتنا وفي سلوكنا  باتت ملحَّة على مستوى ملحاحيّة خلاصنا. الدعوة، اليوم، هي إلى التخفيف من خطاب التأنيب والنواهي الأخلاقيّةّ. الدعوة إلى إيقاظ الحسّ الإنسانيّ الإنجيليّ الأصيل لدى شبابنا عن طريق تجسيد المُثل المسيحيّة التي تعجّ بها خطاباتنا الكنسيّة، تجسيدها بعيش صادق لها، والالتزام بها والدفاع عنها وعدم السكوت عن هتكها. إنّ أكثر ما ينفّر شبابنا اليوم هو التناقضات الحادّة التي يعيشها الشباب خاصة بين القيم التي تربوا عليها والتي آمنوا بها من احترام لحقوق الإنسان وحرّيته، من عدالة وصدق، من خدمة للفقير والمريض والبائس وإنقاذهم من براثن سلطة المال ومصالحها، وبين ما يمارس على أرض الواقع الكنسي- هذه المُثُل هي نوافذُ مثلى لولوج محبّة الله إل قلوب شبابنا، لشعورهم أنهم محبوبون من الله ومن شعبه. احساسهم بمحبوبّيتهم من الله سيدفعهم إلى معرفة وصاياه وحفظها. من لا يحبّ الله لن يطلب وصاياه ولن يحفظها. لأن محبّة الله لنا سبّاقة لوصاياه. "نحن لم نحبّ الله بل هو الذي أحبّنا" (1 يو 4، 10). حِفْظ وصاياه والعملُ بها هي استجابة للمحبّة الإلهيّة التي سبق وتلّمسها وترسّخٌ في هذه المحبّة. نموذجيّة هي العلاقة التي تربط المحبّة بحفظ الوصايا في الكتاب.

الكنيسة قناة بثِّ لمحبّة الله بين البشر. هذا هو فعلها البشاريّ لتغلب العالم. عدا ذلك تكون مغايرة لصورة سيّدها تكون مغلوبةً للعالم